القائمة الرئيسية

الصفحات

الصاروخ باعتباره مثالا لسفينة الفضاء

الصاروخ باعتباره مثالا لسفينة الفضاء

الصاروخ باعتباره مثالا لسفينة الفضاء

من الأمور المتفق عليها بوجه عام، أن أي سفينة من سفن الفضاء التي سنبنيها في المستقبل، ستعتمد على الصواريخ لدفعها. إذ ستندفع هذه السفينة إلى الفضاء بقوة دفع الغازات التي تنطلق من الصاروخ. ويعتبر السفر بالصاروخ من الوسائل المأمونة العواقب للغاية. وذلك لأن الصاروخ يكتسب كمية حركته بالتدريج. وهذا ما يميزه عن قذيفة المدفع. ويفسر لنا ذلك لماذا ستكون عملية الجذب التي يشعر بها الإنسان وقت الانطلاق ضعيفة لدرجة كبيرة. بحيث إنها لن تسبب أي أذى لركابها المسافرين عبر الفضاء.

ويلاحظ أن سفينة الفضاء لن تعترضها مقاومة عنيفة من الهواء. كما أن الحرارة الناتجة عن الاحتكاك ستكون ضعيفة لدرجة لا يؤبه لها. و السبب في ذلك هو؛ أن سرعة سفينة الفضاء المندفعة بقوة دفع الصاروخ داخل الغلاف الغازی، ستكون بطيئة نسبيا.

وسوف يتمكن كذلك ركاب سفينة الفضاء من استخدام محرك الصاروخ للتحكم في حركة سفينة الفضاء، وذلك بأن يزيدوا من سرعتها في الفضاء، أو يقللوا منها، أو يغيروا من اتجاه الطيران إذا اقتضت الضرورة.

ولكن ما الفكرة الأساسية التي تقوم عليها حركة الصاروخ؟

ضغط الغازات المتولدة عن احتراق المادة المتفجرة. فالغازات تضغط في اتجاهين متضادين بقوة متساوية، تجاه القذيفة وتجاه البندقية. إلا أن البندقية ترتد إلى الوراء قليلا، لأن كتلتها أكبر بكثير من كتلة القذيفة. ويحدث هذا وفقا لأحد القوانين الرئيسية في الميكانيكا، وهو القانون الآتي: "لكل فعل لابد وأن يكون له رد فعل مضاد و مساو له" : وتعرف الحركة الناتجة عن الفعل باسم الحركة الإرجاعية.

والصاروخ الذي يستخدم باعتباره محركا لسفينة الفضاء، لابد وأن يكون من نوع خاص. إذ إنه لن يكون من نوع الصاروخ المعبأ بالبارود، والذي يطلق عادة في الأعياد. وذلك لأن عملية احتراق الغازات تولد بداخله ضغطا عاليا جذا، ولابد وأن يكون الصاروخ قوى البنيان، حتى يتحمل مثل هذا الضغط، وبالتالي سيكون وزنه كبيرا جذا. وزيادة على ذلك فإنه من المستحيل تنظيم عملية استنفاد البارود أثناء الطيران، تماما كما يستحيل علينا أن ننظم احتراق لهيب الشمعة. فمن المستحيل مثلا أن يوقف الإنسان عملية احتراق البارود، حتى يتمكن من أن يوقف المحرك إذا لزم الأمر.

وتستخدم الآن على نطاق واسع الصواريخ التي تزود بوقود سائل، وهذا النوع من الصواريخ يفضل تماما عن الصواريخ المعبأة بالبارود في هذا الغرض بالذات.

ويبين لنا  صورة لصاروخ مزود بوقود سائل. ويوجد لهذا الصاروخ خزانان. ويحتوي أحد الخزانين على مادة دافعة (مثل الكحول الإيثلي)، ويحتوي الآخر على مادة مؤكسدة مثل سائل الأكسجين مثلا.

وتوجد بالصاروخ مضختان يتحكم فيهما توربين. وينتقل کل من الوقود السائل، والسائل المؤكسد من المضختين ويلتقيان في غرفة خاصة، وتحدث حينئذ بداخل الغرفة عملية تفاعل كيميائية، (أي احتراق الوقود السائل). وتخرج الغازات المتولدة عن عملية الاحتراق من غرفة الاحتراق من شأنه أن يدفع الصاروخ إلى الأمام.

وتستخدم كل من الصواريخ المعبأة بالمواد المتفجرة أو بالوقود السائل زعانف هوائية، ومنظمات للغاز والهواء وتعتمد الصواريخ على هذه الزعانف و المنظمات لضمان انتظام و ثبات طيرانها.

إلا أن هذه الزعانف و المنظمات تصبح عديمة الفائدة حالما يخرج الصاروخ عن نطاق الغلاف الغازي الميحط بالكرة الأرضية وينتقل إلى الفضاء. ولكن ماذا على ركاب سفينة الفضاء أن يفعلوا لو انحرف الصاروخ عن طريقه. هذه هي المشكلة التي قام العالم د.أ.تسیولکوفسکی بحلها. إذ اقترح وضع منظمات في طريق انطلاق الغاز من فتحته، وبذلك يتيسر تغير اتجاه طيران الصاروخ في الفضاء.

وما العوامل التي تتوقف عليها سرعة الصاروخ في سفره؟

تتوقف السرعة التي يمكن أن يسير بها الصاروخ في الفضاء، بعد أن يترك مجالات تأثير الجاذبية، على السرعة التي تخرج بها الغازات من فتحتها، كما تتوقف على كمية الوقود المستهلكة . وتستخدم لهذا الغرض أنواع معينة من الوقود الذي يولد أعظم قدر ممكن لسرعة العالم. ومن بين هذه الأنواع الأكسجين والهيدروجين مثلا. ويلاحظ مع ذلك أن الهيدروجين خفيف الوزن جدا، حتى ولو كان مكثفا على شكل سائل. كما يستلزم خزانات واسعة على عكس المواد الدافعة الأخرى. وزيادة على ذلك فإن درجة غليانه هي ۲۵۳ سننجراد. 

ويستخدم كذلك حامض النتريك والهيدرازين (وهو مركب كيميائي من الأزوت والهيدروجين)، لميزاتها الاقتصادية عن غيرهما. كما أن هذين السائلين من السهل تحضيرهما، ويمكن حفظهما في خزانات صغيرة، وهناك أنواع أخرى من المواد الدافعة الصواريخ التي تسير بالوقود السائل. ومن هذه الأنواع الكيروسين والبنزين وزيت التربنتينة وزيت البرافين وغيرها. وتستخدم معها مواد مؤكسدة مثل حامض البيروكلوريد والهيدروجين والبيروكسين.

وتولد المواد الدافعة الكيميائية الحرارية، أو المواد الدافعة العادية، عادا يخرج بسرعة تقرب من ۲٫5 لكم في الثانية. وهناك بوادر تدعو إلى الاعتقاد بإمكانية زيادة هذه السرعة إلى 4 كم في الثانية. وإذا تمكنا من الوصول إلى هذه السرعة، فإن ذلك من شأنه أن يبسط مشكلة بناء سفينة الفضاء.

وهناك طريقة أخرى يمكن استخدامها لزيادة سرعة الصاروخ وزيادة مداه. وذلك بدفعه بواسطة صاروخ أخر مساعد، وحينما يستنفد الصاروخ المساعد كل وقوده، فإنه ينفصل عن الصاروخ الأصلي من تلقاء نفسه، وتتم عملية النزول بواسطة مظلة براشوت. وينطلق الصاروخ الرئيسي بعد أن تنتهي مهمة الصاروخ المساعد.

وذلك بعد أن يبلغ ارتفاعا معينا وسرعة محدودة، وبهذا يستطيع الصاروخ الارتفاع إلى مسافة أبعد من الصاروخ العادي. ويعرف الصاروخ من هذا النوع باسم الصاروخ الذي يندفع على مراحل. ومع زيادة عدد المراحل أو المضاعفات تزداد كل من سرعة الصاروخ ومداه.

وقد أجريت في السنين القليلة الماضية تجارب أثبتت أن الصاروخ المضاعف، المعبأ بالمواد المتفجرة، يمتاز بأنه اقتصادی الحد كبير، وذلك لأن دفعة هذا الصاروخ هائلة جذا، إذا ما قورنت بوزنه. ومن المحتمل أن يستخدم هذا النوع من الصواريخ في عملية القذف الأولية لسفينة الفضاء.

ولزيادة سرعة العادم أكثر من ذلك، يستحسن استخدام مواد دافعة نووية، بدلا من المواد الدافعة العادية . ولكن ما المادة الدافعة النووية؟ ولماذا تفضل على المواد الدافعة العادية؟

لقد نجحت العلوم الطبيعية في تحويل عدد من العناصر الكيميائية إلى عناصر أخرى. ولقد صاحب هذه العملية، في حالة معينة، انطلاق طاقة ذرية. وتعرف كل مادة تولد مثل هذه الطاقة باسم مادة دافعة نووية. وتحتوي كمية صغيرة من هذه المادة على قدر هائل جدا من الطاقة.

وتتميز عملية انطلاق الطاقة الذرية بسرعتها الهائلة. ولكن ليس معنى هذا أنه من الصعب التحكم فيها. ويمكن استخدام الطاقة الذرية لتحويل سوائل معينة (مثل سائل الهيدروجين أو الهليوم)، إلى غاز، ثم تطرد خارج الصاروخ. وتسمى المادة الدافعة النووية التي هي على هيئة غاز أو سائل، باسم "الوقود الذرى.

وجدير بنا أن نذكر أن الاصطلاحين: المادة الدافعة النووية، و الوقود الذري، إنما نستخدمپنا هنا فقط حسب الاصطلاح المتبع، وذلك لأنه ليس هناك أي تشابه بين عملية انطلاق الطاقة الذرية وتحولها إلى جسم خامد، و بين عملية الاحتراق كما هي معروفة لنا.

وسوف تخرج الغازات، في الصاروخ الذري، من فتحة الغاز بسرعة تقدر بعشرات الكيلو مترات في الثانية. وكلما زادت س رعة العادم، كلما قلت كمية الوقود اللازم للسفر بين الكواكب. وهذه ميزة ضخمة يتميز بها الصاروخ الذری.

والطريقة التي يعمل بها الصاروخ الذرى كالأتي: ينتقل الهيدروجين السائل، أو أي سائل أخر، إلى غرفة صغيرة تشبه غرفة الاحتراق في الصاروخ الذي يسير بالوقود السائل. وحينما تنطلق الطاقة الذرية، فإنها ترفع في الحال من درجة حرارة الهيدروجين إلى درجة عالية للغاية.

وفي هذه الحالة يتحول الهيدروجين إلى غاز، وينطلق من غرفة الاحتراق تحت ضغط هائل. وعلى الرغم من أن الصاروخ الذي لا يختلف في فكرته الأساسية عن الأنواع العادية من الصواريخ، فإن هناك عددا من المصاعب الفنية التي تحول دون بنائه. و أولى هذه المصاعب هو الحاجة إلى تخفيض درجات الحرارة العالية جدا، ودرجات الضغوط المرتفعة للغاية، التي تتولد داخل الصاروخ الذري، وذلك لأن ليس ثمة معدن يمكنه تحمل هذه الدرجات. وثانية هذه المصاعب، أنه لابد من اتخاذ إجراءات لحماية المسافرين إلى الفضاء من الإشعاعات الذرية التي تنطلق في نفس الوقت على صورة طاقة ذرية. ولعلاج هذه المشكلة بنجاح، لابد من اختراع مادة تمتص مثل هذه الإشعاعات، ولابد كذلك أن تكون هذه المادة خفيفة الوزن، لأن الوزن الزائد على الحد سيتسبب في خفض مدى الصاروخ لدرجة كبيرة.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات